وردة على فوّهة بندقية . قراءة في كتاب: ليس للحرب وجه أنثوي
حين صنع
ألفريد نوبل المتفجرات قال بأنه يريد أن يصنع السلام. لم يكن يعلم حينها أنه وبعد
مئة وخمسين عاماً ستؤول الجائزة التي أنشأها من ريع متفجراته إلى امرأة ذات شعر
أحمر تحمل النوايا نفسها: تكتب عن الحرب
لتصنع السلام، وعن الموت لتخلق الحياة، وعن قوة العاطفة لتفضح هشاشة الفكرة.
الصحفيّة والكاتبة البيلاروسية التى وثّقت لأهم الأحداث التاريخية في حياة إنسان ما كان يُعرف بالإتحاد السوفييتي. سنتجول هنا داخل أولى كتبها، ثم سنقفز خارج الأغلفة قليلاً لنتعرف على هذه الكاتبة الإستثنائية.
سفيتلانا أليكسيفيتش:
في الحادي والثلاثين من مايو عام 1948م أي بعد مرور ثلاثة سنوات على الحرب العالمية الثانية، وُلدت سفيتلانا أليكسفيتش في إحدى قرى أوكرانيا لأبٍ بيلاروسي كان منتسباً للجيش السوفييتي وأم أوكرانية. درست الصحافة بجامعة منسك واتخذتها مهنة طوال حياتها. كتبت المسرحية والسيناريو والشعر والقصة القصيرة، قبل أن تنتج أول كتبها «الوجة غير الأنثوي للحرب» وهي بعمر الخامسة والثلاثين، الذي بيعت منه مليوني نسخة، وكان سبباً في تهجيرها من بلادها لعقد من الزمان.[1]
لونٌ خاص:
لطالما حاججتُ بضرورة الفصل بين العمل الصحفي والكتابة الإبداعية. رغم أن العديد من كُتّابي المفضلين امتهنوا الصحافة؛ فمنحَتْهم - بالإضافة للدخل المنتظم الذي لا يوفره غالباً بيع الكتب - درجة من الالتزام اليومي وإتصال مع العالم الخارجي يحتاجها الأدب. لكن هذا يصح عند امتهان كاتبٌ إبداعي للعمل الصحفي، فماذا عن العكس؟ هنا أجادل بأنه ليس من السهل تحول كاتب التقارير ومتقصّي الحقيقة لكاتب عمل خيالي عالي الجودة؛ لن يستطيع باحث الحقيقة صناعة أكذوبة جيدة! لكن هذا بالطبع إذا كان الحديث عن الصحافة والأدب بشكلهما الكلاسيكي... لكن ما جعل إليكسفيتش جيّدة بالنسبة لي أنها فعلت فقط ما تجيد فعله.
أدب غير تخييلي:
منذ وقت طويل
ظهرت أشكال أدبية مثل أدب الرسائل والرحلات، والسيرة الذاتية والغيّرية. يرى البعض أن الرواية أو السرد التخييلي بشكله
القديم قد انحسر الآن مقابل إنفجار أشكال جديدة من الأدب غير التخييلي، ربما يكون
آخرها ظهوراً هو «الببلوميموار» الذي يجمع بين المذكرات، واليوميات، والنقد
الأدبي، والسيرة الذاتية والتاريخ، ومثاله كِتاب دكتور أكرم الديك الفلسطيني الأصل
بعنوان «شجرة الكينا: حلقات في التشرد والشتات».
لعل السند
الفلسفيّ الذي فجّر الكتابات السرديّة غير التخييليّة هو عالم ما بعد الحداثة الذي
اهتمّ بحكايات الأفراد تحديداً، فقدم لهم منصّات ليرووا تاريخهم الفرديّ ورؤيتهم
للعالم التي باتوا يطمئنون إليها أكثر من اطمئنانهم للتاريخ بوصفه سرديّة كبرى تمّ
تفكيكها؛ فبرزت الرؤية الفرديّة المضادّة لرؤية المجموع التاريخيّة السائدة، وبنت
سرديّات صغرى مفكّكة تقدّم طرحاً معرفيّاً قد غيّبته الروايات الرسميّة أو قصرته
على أيدولوجيا محدّدة. وبأيّ حال فإنّ السرود غير التخييليّة في غالبيّتها جاءت
إمّا لتدحض رواية ما أو لتدحض عدم وجود رواية، أي تنفي تهميشاً وتثبت وجوداً. وبدا
هذا واضحاً في رد إليكسفيتش حين سؤالها عن الجنس الأدبي الذي تكتبه: ”يقولون إن ما أكتبه ليس أدبًا فما هو الأدب؟! أزعجني دوماً أن
الحقيقة لا يحملها قلب واحد، عقل واحد، إنها حقيقة متشظية على أية حال. الكثير
منها هناك، متنوعة، لقد نُثرت في أرجاء العالم. أعمل على التاريخ الغائب. يقولون
لي كثيرا، حتى الآن، إن ما أكتبه ليس أدبا، إنه وثيقة. ما هو الأدب اليوم؟ من
بإمكانه أن يجيب على هذا السؤال؟ نعيش أسرع من أي وقت مضى. يمزق المحتوى الشكل،
يكسره ويغيره. كل شيء يفيض متعدياً شواطئه، الموسيقى، الرسم -حتى الكلمات في
الوثائق تهرب من حدود الوثيقة. لا حدود بين الحقيقة والتلفيق، أحدهما يتدفق نحو
الآخر. الشهود ليسوا متجردين“[2].
كتابة متعددة الأصوات:
حين أُعلن اسم أليكسفيتش علّقت سارا دانيوس
رئيسة الأكاديمية السويدية: ”أن هذا نوعاً جديداً من
الأدب، فهي كاتبة إستثنائية وذات كتابة متعددة الأصوات“[3]. أليكسفيتش أستلهمت
طريقتها في الكتابة من الكاتب البيلاروسي أليس اداموفيتش[4] الذي كتب عدة كتب
بذات الأسلوب منها «أنا من قرية النار» الرواية الوثائقية التي تحكي عن قرى حرقها
الألمان في بيلاروسيا. وأداموفيتش ليس أول
من أتبع هذا الأسلوب أيضا . كما أن مصطلح «تعدد الأصوات» الذي أطلقه للمرة الأولى
باختين*حين عكف على دراسة أعمال ديستوفيسكي، كان يقصد به الأدب التخييلي، لكن هذا
المصطلح ملتبس قليلاً؛ إذ يُقصد بمصطلح الصوت مرة الشخصية، وفي ثانية الكلام، وفي
ثالثة الراوي، فالرواية هي التجسيد الأعلى للعبة التداخل النصي. باختين وضع عدداً
من الميزات للرواية متعددة الأصوات، منها:
تعدد الفكر من
خلال الآتي: التعددية في أنماط الوعي، الأطروحات الفكرية، والمواقف الأيديولوجية.
وهناك التعددية في الشخصيات، وهي متعلقة ببناء الرواية. بالإضافة إلى «تعدد اللغات
والأساليب» من خلال الأسلبة والمحاكاة والحوار والتهجين والتناص وغيرها.
إذا أخذنا مفهوم باختين بشكله الموسع فيمكننا النظر لأي رواية على أنها رواية متعددة الأصوات. لكن بتطبيق المفهوم البسيط لمبدأ تعدد الأصوات Polyphony أو «الجوقة الموسيقية» المستلف من الموسيقى، فإن أليكسيفيتش في هذا الكتاب قد جمعت إفادات من عدة شخصيات، كانت متباينة في الأطروحات الفكرية، كما أنها وإن كان هناك حدث مركزيّ واحد لكن الشخصيات كانت تحكي عن نسخ مختلفة باختلاف دور كل شخصية في الحرب ومهمتها هناك، أي اختلاف وجهات النظر. أعتقد أن سبب نجاح أليكسفيتش في تقديم هذا النوع هو مهارتها الصحفية في صنع التقارير والريبورتاج، وهذا ما مكّنها من تحويل كل المتحدثين إلى أبطال يصنعون حدثاً من وجهات نظرهم المختلفه… كانت أليكسفيتش تطرح أسئلة على المتحدثات مثل: هل يوجد حب في الحرب؟ هل قتلتي شخصاً؟ ماهو أسوأ شيء في الحرب؟… محاولةً بذلك خلق وحدة في الموضوع، لكن اختلاف مواقع المتحدثات خلقت تبايناً في الإجابات، وبالتالي غنىً في القصة النهائية.
فتيات روسيات
تطوعن لحمل السلاح للدفاع عن وطنهن. أرشيف بيتمان Getty Images
ليس للحرب وجهٌ أنثوي:
اللغة: قرأت نسخة الكتاب الصادرة عن دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع للمترجم السوري الدكتور نزارعيون السود، الذي نقلها عن الروسية. وهي لغة غنية عند مقارنتها بالإنجليزية ولديها تركيبة من المفردات والمعاني الخاصة بها يجعل نقلها للغات الثانية صعباً؛ فمثلاً كما يشمل اللون الأزرق لونين أساسيين مختلفين في اللغة الروسية، كذلك بعض المفردات مثل «الحقيقة» مثلاً تشمل معنيين أو مفهومين مميزين عن بعضهما، يسمى الأول: «براڤدا» وهي الحقيقية الوقائعية الموضوعية التي يمكن إثباتها وقياسها، ويُدعى الثاني: «ستينا» وهي الحقيقة العميقة الذاتية الفلسفية، والتي توصف في اللغة معرّفة بـ ’أل‘ لأنها المطلقة، وهي التي كانت تهم سفيتلانا في كتابها. ولكلمة «فتاة» في الروسية كذلك دلالة متميزة عن الإنجليزية والعربية فهي تشير لعمر محدد «اليافعات» كما تتضمن وصف بالنعومة والرقة[5]. حصر هذه الدلالات في العربية في مفردة واحدة أدى لقصور في معنى الترجمة. كما أن الخيارات اللغوية للمترجم بشكل عام وامتناعه عن إعادة صياغة بعض العبارات لزيادة انسيابية النص لم تكن مرضيةً بالنسبة لي.
أكثر ما يميز
لغة الكتاب هو الوصف والإنتباه لتفاصيل مميزة لرؤية النساء. فمثلاً كان وصف الجمال
حاضراً ”لقد قتلتُ جندياً ألمانياً، كان وسيماً“ أو ”كانت ترقد جميلة
في التابوت“، كما أن لغتهنّ مليئة بالألوان والروائح وخشونة قماش الرداء العسكري،
وثِقل الحذاء.
كانت لغة
المتحدثات مفككة، بعبارات متقطعة ولاهثه، وأفكار متقافزة. ورغم أن تسجيل الافادات
حدث بعد مرور سنوات طويلة على الحرب العالمية الثانية إلا أن قص المتحدثات لقصصهن
بهذه الطريقة بعث الحياة في القصص وكأنهن يحكينها تحت قصف الرصاص. ربما تكون الحرب
من الهول بما لا يجعلها ماضٍ قابل للتحكم وإعادة الصياغة أبداً.
قامت سفيتلانا بانتخاب قصص محددة من بين مئات
القصص التي جمعتها لتحدد نمطاً واحداً، أو وحدة في الموضوع. ولأننا غير مطلعين على
العدد الكلي للإفادات فلن نعرف إذا ما كانت هذه الموضوعات فرضت نفسها بكثافتها
الإحصائية، أم أن سفيتلانا كانت تحمل نوايا مسبقة جعلتها تُعد أسئلة محددة، وتنتخب
إجابات معينة دون الأخرى. إن كان هذا أو ذاك فالمحصلة كانت جيدة. أما فيما يلي
التدخل الأدبي المتعلق بإعادة صياغة الإفادات أو المقدمات التي تسبقها فإن هذا
الكتاب مقارنة بكتب سفيتلانا التي تلته كان نيئاً، وخام، وحقيقي أكثر.
طالبتان
سابقتان في معهد موسكو الحكومي للمسرح، منحتا ميدالية الشجاعة للقتال في الجبهة.
هناك حربان !
:
عندما تحكي المحاربات قصصهن للكاتبة كانت تخرج الحكايا أكثر أنسانية وواقعية، كن يحكين قصصهن الخاصة عن الحب في الحرب، وعن سوءها، عن ثِقل الجرحى، وعن خوفهن من الدماء. لأنه بمرور السنوات تقشرت القصص وبقي في الذاكرة المشاعر الحقيقية. لكن بعضهن ما أن يحضر أحد أقاربهن أو ينتبهن لمسجلة الصوت كن يغيرن القصص الخاصة لصالح القصة العامة؛ ما يجب أن يُحكي لتنشئة الأجيال القادمة. رغبن في تعديل ”لقد كانت الحرب رهيبة“ إلى ”لقد إنتصرنا“. حتى الرجال حين سمعوا قصص النساء -كانت أجزاء من الكتاب قد نُشرت في شكل مقالات صحفية قبل أن تُجمع مع بعضها- وصفوها بالتافهة، بل اعتبروها إساءة أن تخرج للعلن قصص غير قصص البطولات والانتصارات، وطالبوهن بإخفاء التاريخ الشفهي والخاص واعتماد التاريخ المشترك الرسمي، المُصاغ من قبل الدولة، حتى بعد انهيار الفكر الشيوعي كانت الأيدولوجيا تمد ذراعها لتتحكم في ذاكرتهن.
نساء في الواجهة
ما كان صادماً في الروايات المحكية في الكتاب أن جميع النساء بادرن بل وأصررن على الذهاب للحرب، من كن مدربات تدريب عسكري أو بمدرسة الطب أو التمريض أو المراسِلات، كن يتقدمن للجبهة دون أي تردد ودون إنتظار أمر عسكري، والأصغر سناً يُرسلن الطلبات مراراً وتكراراً ويهربن متخفيات إن قُوبل طلبهن بالرفض، هل عطّلت غريزة حب الوطن التفكير في أن الحرب ليست مخصصة للنساء؟ هل التربية الشيوعية وتنشئة الحزب جعلتهن يشعرن بالتساوي مع الرجل؟!
طمس الهويّة:
”دخل إلي القائد خاطبني:
-
إحلقي لها حلاقة رجولية
-
لكنها امرأة!
- لا إنها جندي، ستعود امرأة بعد الحرب“
من أهم ماقالته النساء عن الحرب هو حرمانهن من إظهار هوياتهن كإناث، ومطالبتهن بالامتثال لصورة موحدة مذكّرة. الغريب أن بعضهن قبل الحرب لم يكن يمانعن ذلك، لكن بطريقة ما أيقظت ذكورية الحرب رغبتهن في العودة لأصلهن: ”هل أردنا نحن الفتيات أن نكون شبيهات بالرجال؟ نعم. في الفترة الأولى قصصنا شعرنا الطويل وحلقناه بتسريحات قصيرة، حتى أننا عدَّلنا خطواتنا. أما في ما بعد، فلا ثم لا. لقد تولَّدت عندنا رغبة شديدة في أن نتزين ونتجمل“ أو ربما هو الموت؛ يقشّر الزائف والمستجلب لصالح ماهو أصيل، فنجد أحداهن تقتل كأفضل قناص في الحرب لكنها تفعل ذلك وهي ترتدي أقراطها، وأخرى تتضور جوعاً لكن حين تُعطَى بيضة تفكر في تلميع حذائها بها بدلاً من أكلها، كنّ يقاتلن بضراوة في النهار لكن في الليل… ”في المساء، تتطلعين إلى أن تجلسي، أن تخيطي، أن تطرزي شيئاً، أن تتذكري عملاً نسائياً…“ لم يكنّ كلهنّ ربّات بيوت، بل معظمهنّ كنّ يافعات بين السنة السادسة عشر والحادية والعشرين. بعضهن تلقين تدريباً ويعرفن ماهي الحياة العسكرية، لكن جميعهنّ شعرن بالرغبة الجامحة في إظهار أنوثتهن بعد الحرب، وجميعهنّ شعرن بالسوء من إخفائها القسري أثناء الحرب. المفارقة الصارخة كانت تكمن في أن خوض الحرب تطلب حباً للوطن، وللحزب، وللفكرة، لكن ذلك لم يمر عبر حب الذات أولاً، والهوية المشتركة «للجندي» لم تتم عبر تقدير الهويات واحترامها ثم تذويبها في وحدة جامعة ومشتركة، بل تم عبر الإلغاء والإنكار. ”تسألينني ما هو الأشدّ رهبة في الحرب؟ بالنسبة إليّ أن أرتدي كلسوناً رجالياً، هذا فعلاً كان رهيباً!... أنتِ في الحرب تنوين الموت في سبيل الوطن وأنتِ ترتدين كلسوناً رجالياً“.
قناصة
روسية في الجبهة
ميكنة البشريّ
:
برزت كثيمة
أساسية في الإفادات: النزعة إلى التعاطف مع العدو، علاج الأسرى، واقتسام قطعة
الخبز مع الأطفال الألمان، كسمة بشرية أصيلة. لكن غالباً ما قوبل ذلك بالتعنيف؛
تطلبت الحرب قدراً وافراً من الكراهية، حب الوطن وحده لم يكن كافياً للقتل، بل
اقتضى الأمر شيطنة العدو وتصويره في الخطابات والأدبيات كآخر مختلف يجب التخلص
منه. لكن الأدهى من ذلك كان تحريك هذه المشاعر بالريموت كنترول: على الممرضات
القتال إذا احتاجوا لهنّ في الجبهة، لكن عليهن التبسّم في وجه المرضى في المساء
وتحمّل الشتائم التي تنطلق منهم، بل وحراسة اليائسين منهم لمنعهم من الإنتحار ”يمكنهم أن يغضبوا وأن
يشتموا. ولا يحق لنا ذاك أبداً. كانوا يعاقبوننا على الكلمة الجافية الواحدة
عقوبات صارمة حتى الحجز“. في رواية
أحد الجنود على لسان مرافقته أن الألمان قتلوا عائلته فذهب للحرب في الجبهة، قاتل
بضراوة، وحين دخلت القوات السوفييتية للحدود الألمانية، ويوم أُعلن النصر شرب
محتفلاً مع الآخرين، ثم دخل أحد البيوت الألمانية وأطلق الرصاص على جميع الأسرة،
فأعدمه رفاقه رمياً بالرصاص! عليك امتلاك الدافع الشخصي والقدر الكافي من الكراهية
لتقتل في الحرب، لكن عليك إلغاء هذه الكراهية صبيحة اليوم التالي مباشرة إن
أمَرَتك الدولة بذلك. بعد انتهاء الحرب مباشرة وحال عودة الجنود لقُراهم كان عليهم
الانخراط في الحياة الطبيعية: على النساء لبس الفساتين، على الرجال الخوف من
الموت، عليهم جميعاً نسيان ماحدث ”بعد أن تعلمنا الكراهية
كان علينا أن نتعلم الحب من جديد... كان على إنسان الحرب أن يصبح إنساناً بلا حرب“.
عُومل المقاتلون كأرقام وكإحصائيات، كدبابيس حمراء وزرقاء ملصقة على خريطة في مكاتب قيادة الأركان. من يشرّعون للحرب لا يطلقون الرصاص ولا يرون الجثث، إنهم هناك يتجادلون في مكاتبهم المغلقة، لذلك فالأمر سهل عليهم. شابه ذلك تعليق إحدى الطيارات، والتي قاتلت لعام كامل قبل أن ترى جثة حقيقية: ”أنزلت الطائرة بعد التحليق وقررت الذهاب إلى الغابة... شاهدت جندياً ألمانياً محترقاً مستلقياً هناك... سيطر عليّ خوف... عندما تطير تسيطر عليك فكرة واحدة: أن تعثر على الهدف وتدمره وتعود. لم نكن نرى أمواتاً.. لم يكن لدينا مثل هذا الخوف… “.
الطيارات
السوفييتيات عام 1943م. أجنتور فولر إرنست - بيكشر ألاينس.
أعادت الحرب تعريف العلاقات
فحين نجد
قدراً كبيراً من الأُخوّة لدى المحاربين؛ إذ أن هول الحرب والإحاطة بالموت، وتشارك
المصير، والاستعداد الدائم للفداء، خلقت تلك الظروف درجة من الإتصال لدى رفاق
الحرب لكنها خلخلت العلاقات الأخرى لدرجة أننا لن نتعجب لتلك الأم التي أغرقت
رضيعها في المستنقع ومن دون تردد حتى لا يكشف صوته موقع الكتيبة، أو ثانية قامت
بتقبيل جندي مجهول لأن هذا كان آخر ماطلبه قبل أن يلفظ أنفاسه. لكن -وبطريقة يصعب
تبريرها رغم انها متوقعة- هذا النوع من التآخي منع الرجال بعد عودتهم من الزواج
بمقاتلات من الجبهة، الرجال برروا ذلك بأنهم يبحثون عن ربات منازل إناث يصلحن
كأمهات، والبعض الآخر قال بأنه يراها كأخته فليس بإمكانه الزواج منها، بينما كان
للنساء رأيٌ آخر: ”عندما عرض عليّ شابٌ (زوجي لاحقاً)
الزواج... هذا حدث في برلين،قرب الرايخستاغ... قال لي: الحرب انتهت. نحن بقينا
أحياء. كنا محظوظين. أطلب يدكِ للزواج. أردتُ البكاء، والصراخ، أردت أن أضربه!
زواج؟ أي زواج هذا؟ الآن؟ وسط هذا كله... الزواج؟ وسط الدخان الأسود والطوب
الأسود... ألقِ نظرة إليّ... أنظر كيف أبدو! بداية، عاملني كامرأة: إهدِ إليّ
الورد، غازلني، أنطق بكلمات جميلة... هذا ما أريده! هذا ما أنتظره! كدت أن
أضربه... كان بودي ضربه... كان أحد خديه محترقاً أرجواني اللون، ورأيت أنه فهم كل
شئ، وسالت الدموع على خده المحترق. ومن خلال الندبات الطريّة... أنا لا أصدق نفسي،
عندما أجبته: نعم، أنا موافقة على الزواج منك“.
أبعد من أثر الحرب فقد فرضت الأيدولوجيا سلطتها على العلاقات: فاستالين نفسه تبرأ من إبنه حين وقع أسيراً للألمان، وكذلك كان يفعل الجميع؛ يبلغ الأبناء عن آبائهم ويتهمونهم بالخيانة، تجبر الأم أبناءها على الذهاب للحرب. ومهما كان مركزك في السابق، بعد الحرب تم بناء المكانة الإجتماعية الجديدة على أساس السؤال ”هل كنت في الجبهة؟ كم وساماً لديك؟ “
الطيارتان
السوفييتان فيرا تيخوميروفا وماريا سميرنوفا عام 1942م. TASS/TASS by Getty
Images
لماذا عليّ أن اقرأ لأليكسيفيتش:
إذا أقررنا أن بإمكان الكتب تشكيل الرأي
العام، فربما لو تُرجمت كتب سفيتلانا منذ صدورها في أواخر الثمانينات لكان لها دور
في الصراعات العربية، أو حروب ما بعد الربيع العربي، سواء بتأثيرها المباشر للنص،
أو بصنع نصوص عربية مشابهة تقدم منظوراً مختلفاً، وصورة مكبّرة أكثر عن سوء الحرب.
أنتمي لبلد
رزح عقوداً -ولايزال- تحت وطأة الحرب الأهلية، حرباً لايقتلك فيها غريب السحنة
واللغة بل من تشاركه الدم والعادات والتقاليد، أغلب الحروب قامت لأجل الموارد، وإن
لعبت بها ووجهتها بعد ذلك الأيديولوجيات والتمايز الديني، هذا ما جعل كتابة
التاريخ في هذه الحالة محفوفاً بالمخاطر، فلا منتصرون في الحروب الأهلية! لاشيء
سوى الموت والتصدع الإجتماعي، لذا ربما
ستقدم رواية الحرب بهذا المنظور الأكثر بشرية وواقعية سبباً لوقف الموت.
مؤلفاتها
ليس للحرب
وجه أنثوي 1985: كتبته عام 1983م وصدر عام 1985م،
لكنه صدر باللغة العربية في العام 2016م. وهو إفادات لأكثر من مئتي امرأة ممن
كنّ على الجبهة في الحرب العالمية الثانية
لقتال ألمانيا النازية، وعددهنّ يُقدر بمليون امرأة.
فتيان
الزنك 1990:
صدر باللغة العربية في العام 2016م. وهي إفادات لمن شاركوا في حرب الاتحاد السوفييتي
”غير المعلنة“ في أفغانستان.
مسحور
بالموت 1993: يحكي عن محاولات الانتحار التي تسبب فيها موت فكرة الاتحاد السوفيتي.
صلاة
تشرنوبل 1997: صدر باللغة العربية في العام 2016م. روايات لشهود عايشوا حادثة تشرنوبل
النووية.
آخر الشهود
2004: صدر
باللغة العربية في العام 2016م. أعادت فيه أليكسفيتش رواتها إلى ذكرى الحرب
العالمية التي شهدوها وهم أطفال.
زمن مستعمل
2013: صدر
باللغة العربية في العام 2018م. إفادات شهود عايشوا إنهيار الاتحاد السوفيتي،
والحروب العرقية التي أعقبته، وإرث الغولاغ.
جوائز و أوسمة:
فازت أليكسفيتش
بجائزة لينين كومسمول (1986) ، أعقبتها جائزة هردر (1999) ، جائزة دائرة نقاد الكتاب
الوطنية (2005) من الولايات المتحدة عن كتاب «صلاة تشرنوبل»، جائزة ريزارد
كابوشنسكي البولندية عام (2011) عن الريبورتاج الأدبي، نيشان الفنون والآداب
«برتبة ضابط» عام (2014) ، جائزة السلام لتجارة الكتب الألمانية عام (2013) ، جائزة
إختبار ميديتشي عن كتابها «زمن مستعمل» عام (2013) وهي جائزة فرنسية قيّمة تمنح
للكتّاب الذين لم تتوافق شهرتهم مع موهبتهم.
ورغم أن هذه
الجوائز وضعت أليكسفيتش في قائمة المرشحين لنيل جائزة نوبل للآداب لعامين، قبل أن
تحصل عليها في العام (2015) إلا أنها لم تنف موجة الإستهجان التي أعقبت التتويج؛
فحتى ذلك الوقت لم تكن كل أعمالها قد نقلت من الروسية للإنجليزية، وحتى ماتم نقله
فعبر دور نشر متواضعة غير ربحية مثل «مطبعة أرشيف دالكي»، مما جعلها مجهولة لدى
كثير من القراء غير الناطقين بالروسية.
أما وسائل
الإعلام الروسية فاستقبلت الخبر بموجة من النقد اللاذع، إذ وصفها زاخار بريلبين
-أحد أشهر كتاب روسيا- بأنها ”لم تكن كاتبة“ بل نالت الجائزة لمعارضتها
للكرملين. وكتب: ”الآن اكتملت الصورة:
بونين، سولجنتسين، باسترناك، برودسكي“ وبذلك ضمّها إلى فائزين سابقين بالجائزة ممن
يكتبون بالروسيّة لكنهم على عداء مع النظام: ففي عام 1958، حين تم اختيار بوريس
باسترناك لجائزة نوبل، قُوبل بموجة من المعاداة والاتهامات مما اضطره إلى رفض
الجائزة. وعندما فاز ألكسندر سولجينتسين في عام 1970، تم حظر كتبه في الاتحاد
السوفييتي. ثم في عام 1973جُرّد من جنسيته السوفييتية ونُفي عندما تم تهريب إحدى
كتبه للغرب. أما جوزيف برودسكي فقد طُرد من البلاد لإصراره على كتابة الشعر بدلًا
من العمل في وظيفة سوفييتية منتظمة قبل خمسة عشر عامًا من حصوله على جائزة نوبل في
عام 1987.
إن بدت حجة
زاخار مقنعة، ولا تنفصل عن رأي الإعلام الروسي في آلية عمل لجنة جائزة نوبل للآداب
السويدية الأصل، وإن سلمّنا ببداهة أن جائزة بهذا الوزن لن تنجو من خدمة أجندة
سياسية معينة، فما يعنيني أنا كقارئة عربية بعيدة عن المحاور المتأثرة بهذه
الأجندة أن الشهرة التي منحتها الجائزة لأليكسفيتش أدت لترجمة أعمالها إلى أكثر من
19 لغة، وبالتالي سلطت الضوء على أدب رفيع كان من المجحف أن يظل حبيس لغته الأم.
أدبٌ نسائي
قد يتبادر إلى
الذهن سؤال: هل هذا كتاب نسائي/ نسوي؟ فالكاتبة امرأة وتحكي عن النساء! ربما
اختارت سفيتلانا النساء بحسها الصحفي، مدفوعةً بالرغبة في البحث عن النادر
والمختلف وما سيجعل الكتاب يحقق مبيعات عالية، باعتبار أن المنظور النسائي كان
خفياً ولم يُكشف للعلن من قبل. أنا لا أميل لجندرة الأدب، دائماً أجادل بأن على
النص الأدبي أن يكون متحرراً، حتى وإن انصاع للثقافة وللاختلافات بين لغة النساء
والرجال وهمومهم وقضاياهم، فعليه أن يعرض التجربة الإنسانية كلها بعيداً عن قوالب
الجنس. لكن إن سلّمت بوجود أدبٍ نسوي، فما الذي سيكون أكثر نسويةٍ من قصص نساء
يحكين عن الحرب الذكورية! يروين من منظورهنّ الخاص بدلاً عن القصة المفروضة عليهن.
إن وضع وردةٍ على فوهةِ بندقية لهو الفعلُ الأكثر نسويةً على الإطلاق.
------------------------------
[1] ويكيبيديا
[2] مقابلة مع الكاتبة منشورة في كتاب «ليس للحرب وجه أنثوي».
[3] من بيان رئيسة الأكاديمية السويدية بفوز سفيتلانا بجائزة نوبل
[4]ويكيبيديا https://en.m.wikipedia.org/wiki/Svetlana_Alexievich
*ميخائيل باختين هو فيلسوف ولغوي ومنظري أدبي روسي (1895-1975) -ويكيبيديا
[5] https://www.google.com/amp/s/aux.avclub.com/the-unwomanly-face-of-war-is-a-terrific-and-terrifying-1798191870/amp
نشر هذا المقال لأول مرة في مجلة جيل جديد الإلكترونية في عدد 22 مايو 2020
Comments
Post a Comment