ماذا أكتب ؟
إن كنت الآن أمام جهاز كمبيوترك، في غرفة مكتبك، أو ذلك المكان الأنيق
المرتب الذي خصصته لممارسة مهنتك، بقربك كوب من القهوة، وقد ظهر على شاشتك عنوان
مقالي بعد أن سألت محرك البحث المساعدة في إيجاد موضوع لكتابته، ربما تبتسم الآن، ظاناً
بأنني سأكشف في هذا المقال عن مستودع سري مملوءة رفوفه بالقصص، يؤسفني إخبارك بأن
هذا المقال لايعنيك؛ أولاً لانك لن تكتب شيئاً وأنت متصلٌ بالإنترنت، والأهم من
ذلك بأن القصص -الجيد منها على الأقل- لم تنتج في المكاتب الأنيقة، والأماكن المهيأة
. القصص الجيدة لاتملك سلوكاً جيداً؛ تُداهم كُتّابها في أكثر الأماكن والأوقات
تطرفاً، ومادمت قد سألت محرك البحث عما تكتبه، سأستعير لسان بوكوفسكي لاقول لك :
(تريد أن تفعلها ..لاتحاول ).
أنه السؤال القديم نفسه، الذي يطرحة الكتاب والقراء على حد سواء،
وربما ستكون إجابتي هي القديمة ذاتها، لكنني أخترته عنواناً لأنني أحاول إيجاد تفسير
لدهشتي حين فرغت ليلة أمس من كتابة قصة وأعدت المؤشر لبداية الورقة وقرأت ماكُتب عليها
-كما أنني ببساطة لاأجيد إختيار العناوين . اذاً فالسؤال هنا ليس سابقاً لعملية
الكتابة، بل تالياً لها؛ أي حين يتهافت القراء على السيرة الذاتية لكاتبهم المفضل
لمعرفة أن كان قد قَتَل من قبل، أو أُودع مصحة للأمراض النفسية كما فعل بطل قصته، برهنة
لإفتراضهم بأنه لن تُكتب قصة بكل هذا الوضوح إن كانت متخيّلة بالكامل .
هل الكتابة إعادة تدوير ؟!
ذات يوم حدثني أحد الكُتّاب عن علاقة قراءته للأدب بما يكتب
من قصص، فشبّه نفسه بجهاز المعالجة التابع للكمبيوتر: يقرأ قصصاً، يعيد معالجتها، ثم
إخراجها بثوب جديد . حين كنت أستمع له لم أستطع طرد رائحة الأكياس البلاستيكية عن
أنفي . أنا أتوقف عن الكتابة حين أقرأ الأدب، تصاب مخيلتي بالخدر، أستغرق في عوالم
من صنع الآخرين فأتكاسل عن صنع عالمي الخاص، فلماذا أُرهق نفسي بصنع الكعك لو كان
موجوداً في الخزانه؟! .
القراءة تجيب على سؤال كيف أكتب؛ تهذب قراءة الأدب لغتي، تمكنني
مثل غيرها من إنماط الفن اللغوي من إكتشاف قوالب لغوية وإنماطاً للتعبير غير التي
إعرفها . لكن قراءة الكتب التعليمية وكتب النقد الأدبي أفادتني أكثر : لقد عرفت
للمرة الأولي بأن المقعد الغريب الشكل الذي أشترته أمي قطعة فنية رائعة لكن صناعته
تطلبت ساعات من العمل الشاق، عدد من النماذج الأوليه، والكثير من المحاولات
الفاشلة . لقد عرفت للمرة الأولى بأن ماأقوم بشرائه من متجر الكتب هو النسخة
الأخيرة لجهود مضنيه من التشكيل والتهذيب، وأن أكثر الأفكار ذكاء لن تعجبنا إن
طبعت كما هي لحظة إلتماعها في عقل الكاتب . أليس غريباً أنه في اللغة اللاتينيه
ورد للأدب المصطلح ficito-Onis
ومصدره الفعل fingere
بمعنى يتصور ويكذب ويخدع، وهو أيضاً بمعنى يضع نمطاً ويشكّل !! .
ربما قراءة كتاب في الفلسفة أو مقالاً في علم النفس
تشجعني/تدفعني للكتابة، لكن ليس بأكثر من مقطوعة موسيقية، أو صورة لجراء حديثة
الولادة، أو مراقبة أمي وهي تضع الحناء، أو ممارسة هوايتي المفضله : تأمل سقف
غرفتي .
كل ماتود
كتابته قد كُتب !!
كثيراً مايردد أصدقاء من حولي رأي بورخيس بأن كل ماستكتبه
قد كتبه أحد ما من قبلك، وأنه كما قال في قصيدته شارع مجهول :" كل خطوة من
تفكيرنا تشق الطريق على جماجم آخرين" . حسناً أنا باحثة في علم الحيوان، إن
كانت أحد مراجعي تقول بأن كل الأجناس التي تنتمي لمملكة الحيوان قد تم إكتشافها
وتسميتها، فهل ذلك سيقلل من إعجابي بالفأر الصغير المولود حديثاً في مخزن بيتنا، رغم
أن الفئران تم إكتشافها منذ الالاف السنين !! ، قول خورخي بورخيس كما فهمته : أن
أتوقف عن البحث عن فكرة عظيمة، أو غير مسبوقة، لكن مايزال بإمكاني كتابة أفكار فكر
فيها أحد من قبل بطريقة عظيمة . مايهم حقاً ليس الموضوع بل الطريقة التي ستخبرني
بها بهذا الموضوع : تحويل حدث الى فن .
الجميع قصّاصون
قال
المفكر الأسباني خوسيه أورتيجا أى جاسيت بأننا مهما بذلنا من جهد مضن في معرفة الواقع
بشكل موضوعي فلم نفعل شيئاً الا أننا تخيلناه .إذ يقول بأن الإنسان "يبتكر العالم
أو جزء منه، الإنسان محكوم عليه أن يكون قصّاصاً"(1) . نحن نستقبل
العالم عن طريق حواسنا، لكن مهما بلغنا من الدقة والموضوعية فهناك جزء ما قد
إفترضناه، هناك غموض في كل خبره نمتلكها لايمكن حله بواسطة العلم بصرف النظر عن
النجاح والتقدم الذي وصل إليه، وهو الإفتراض الضمني الذي إنبثق عنه أكبر جدل فلسفي
منذ الميتافيزيقيا التي بدأها أرسطو وصولاً للإبتسميولوجي أهم الأوجه الرئيسيه في
الفلسفه الحديثه . بالتأكيد أنا لاأقول بأن الأدب محاولة لإيجاد الحلول، ولأرى في
الخيال الإبداعي محاولة لتكملة عجز العلوم، لكن معرفة أن الجميع يتخيل -ولو بدرجة
قليلة -جزء من الأشياء التي يتحدثون عنها بيقين تام يطمأنني جداً .
من أين تأتي القصص ؟
الآن وقد بت ملزمة بالأجابة على السؤال الذي أبتدرت به
حديثي، فسأستعين بعبارة قرأتها لأحدى الكاتبات(2) ، أستوقفتني قصة شَعرها
في الصورة المرافقة لإجابتها على سؤال لماذا تكتبين . قالت : (حين أكتب فأنا أقَطعُ
شرياناً منى لينزف خارجاً) .أن "أقَطع " لايبدو بالنسبة لي فعلاً قسرياً
كالكتابه، لكن القصص كالدماء : جزء
من وجبة تناولناها على الرصيف، مضافاً لها جزء من نخاع عظامنا، يتم تصنيعها داخلياً
دون أن نشعر، تطوف داخلنا دون جلبه، يبدأ تكوينها من قبل الولادة، ولايتوقف
إنتاجها مدى الحياة،ثم أن وخزتنا الإبرة ذات يوم ننظر للدماء بتعجب من دون أن نتعرف
فيها -حتى بأكثر الأجهزة دقة - على نوع وجبة الرصيف . كل القصص، حتى أكثرها خيالية،
ترتبط بكاتبها بطريقة سرية حتى بالنسبة له نفسه .تختار موادها الأولية من حياته
دون علمه . وبالمقابل أكثر القصص واقعية -حتى السير الذاتيه- لاتخلو من خيال .
من المثير حقاً مراقبة الطريقة التي يعمل بها عقلنا، وكيف يستطيع تحويل الفتاة الخجولة في المقعد المقابل لك في عيادة الأسنان، والتي لم ترها الا لثوان معدودة، الى شخصية رئيسية في قصتك، كيف بإمكانه توريطها في حدث من طفولتك لم تكن تتوقع بأنه لايزال مختزناً لديك . ما سأقوم بفعله الآن هو تأمل قصة البارحة ومحاولة التعرف على أحد مكوناتها الأولية
*************
** صورة
الغلاف هي الصورة الفائزة بالمركز الثالث في مسابقة تكوين :صوّر لحظة الكتابه
(1): أفكار ومعتقدات
-الأعمال الكامله الجزء الخامس -مدريد 1942
(2): أنها الكاتبه السودانيه ريتا صابر -ونصوصها ليست أقل
جمالاً عن قصة شعرها-، وقد كان رداً على سؤال (لماذا تكتب )، طرحته جريدة بين
النهرين على عدد من الكُتّاب الشباب .
Comments
Post a Comment