علاقات لغوية متطرفه : جوله في مدونة "أتوفيليا"1

 



    قديماً كان يعتقد بأن للغة تأثيراً ساحقاً على السلوك البشري؛ فأفلاطون أضفى على اللغة درجة عالية من السلطة في تحديد الفعل والسلوك الإنسانيين حد أنه عد الشعراء خطرين كفاية لطردهم من دولته المثالية . فقد كان على الكاتب أن يكتب فقط أشياء ترتقى بالذوق العام وبأخلاق المواطنين والاّ فهو مخرب من الدرجة الأولى؛ فالقارئ ينظر إليه في الثقافة القديمه كمواطن في الدولة، والمؤلف كمجسد للأخلاقية المدنيه، والناقد حارس للمصلحة العامة : فالأدب ومنتجوه ومستهلكوه جميعاً ينظر إليهم في ضوء مستلزمات نظام الدولة ككل . ثم في عصر النهضة تحول الشعر الى إداة إجتماعية ومهنة تؤدي مكاسب محددة ،فيكتب الشاعر لميلاد الملك وتعميد أحد النبلاء أو وصف بطولة أمير ،في مقابل رواتب مالية معروفة ومقررة من الدولة ، رويداً رويداً وبعد ظهور الطباعة بدأت تنحرف الكتابة عن تخصيصها لطبقة إجتماعية محدودة .كتب برتراند برانسون في دراسة عن علاقات المؤلف-القارئ في نهاية القرن الثامن عشر "من هذه اللحظة يوجد بصورة تدريجيه- ولكن على نحو مطرد- تطوير في نوعية المؤلفين الذين يكتبون لحشد لامحدود من القراء، مؤلفين غير مميزين وغير معروفين شخصياً، الذين يقبلون هذا الأنفصال كشرط أساسي لفعاليتهم الإبداعية ويخاطبون جمهورهم غير المنظور من خلال حجاب الطباعة ولاشفافيتها ولاشخصانيتها " (2) ، فيمضي إنتاج الأدب عوضاً عن الدخول في سياق علاقة إجتماعية، في الإستقلال عن أي تماس إجتماعي بين المؤلف والقارئ، ليصبح الأدب  لاشخصياً وشخصياً في آن . بدل أن ينظر للأدب كحرفة لابد أن تسهم  آثارها الإستجماميه أو الأخلاقية في الصالح العام (الرؤية الكلاسيكيه) ،أصبح فعالية حرة ذات قيمة جمالية مستقلة (الرؤية الحداثوية). إن القصيدة التي تخرج عن إستقلالها الذاتي لتؤدي خدمة معينه سوف تصبح غير مؤهله كونها عملاً فنياً، وأول متطلبات العمل الفني في القرن العشرين هو وجوب الا يكون له من غرض غير ذاته . 

أردت لهذه التوطئة التاريخية أن تكون تقديماً للحديث عن جولة (من غير الملائم تسميتها قراءة ) قمت بها مؤخراً في مدونة حسام الكتيابي الموسومة (أتوفيليا)، وهو كاتب يملك عينا فيلسوف، أن لم تحب طريقته المتفردة في التعامل مع اللغه، فستثير دهشتك، لكنك على أية حال لن تتمكن من تجاهلها . وفي قراءتي لفنه لم أهتم (بشدة) الأثر كما فعل أفلاطون بل (طبيعته) .

 أن حسام لم يتحرر فقط من جاذبية "التغريض" التي وقع فيها الشعر/الفن اللغوي في العصور السابقة ، بل أفلت من العلاقات الثابته للغه بالعالم، وبنى فنه على المكوّن الأكثر جوهرية في المفردات اللغوية : مدلولاتها . محاولاً بذلك إعادة تعريف العالم بعلاقات جديدة من إختراعه . لذلك حين سُئل :هل تحول العالم/الواقع الى لغة ؟ كانت إجابته : (اللغة لاتساوي العالم فقط، لو كانت كذلك لكانت محدودة جداً ولانتهى الشعر منذ قصائد، انها تساوي العلاقات بين مكوناته وفقاً لوجهة نظر كل مكون بحيث كل مكون يمنحنا مالا نهاية من العلاقات لن تنهي حتى ننتقل لمكون آخر اساساً، ان هنالك فائض من اللغه بحيث تتحدث بها اشياء تساوي اشياء العالم مضروبة في المالانهايه...تباً ! هذا مخيف!!) .

ضد الشكل :

     أن فعل التواصل -إرسال رساله من متكلم إلى مخاطب- مشروط بالحاجة التي يلبيها ،وفي حالة الفن اللفظي يكون التركيز على الرسالة في ذاتها كغاية وليست مجرد وسيلة. والنظرة المجردة تعزو هذة الخاصية الثابتة واللافته للنظر إلى وحدة أعلى وتركيب أعقد : فالقصيدة تتبع قواعد متعددة (مثل الوزن والقيود المعجمية الخ) وتتكشف - أكثر مما تتكشف عنه التفوهات العرضية - عن العديد من العلاقات المتبادله والبارزة بين عناصرها المكونة . في العصر الحديث ظهرت أشكال متعددة للشعر، ولم يعد هو نفسه بقوالبه البنائية القديمة فظهر على سبيل المثال الشعر الحر (الفيتوري أحد رواده في السودان ) ، لكن مهما تغير شكل البناء أو أي عنصر من العناصر المكونه فلابد من توفر سمات قليلة تدلل على المستوى التجريبي أنك تنظر الى قصيدة الآن . مالاحظته هو وجود أشكال بنائية مختلفة للنصوص فعلى سبيل المثال :

و مِن ذِكْرِكُمْ سِرْتُ  **   حَوْلِيَ نحلُ

فَلَوْشَافَنِي   **    رُسْلُكُم لَنْ يَضِلُّوا

عُيُونِيَ كُحْلٌ    **    وكُحْلِيَ كُحلُ

وكَبْدِيْ عُيُوْنٌ    **    وكُلِّيَ نَفْلُ

ولوتُنْصِفُونِي** ففي الْبَالِ قَتْلُ 

وأيُّ المُحِبِّينَ        **   نَالَهُ عَدْلُ ؟

بينما نجد نصاً آخر :

( لمْ تقلْ للهُيامِ :تَعَلَّم ْ

لمْ يَقُلْ كعْبْها للبِلَاطِ : تَكَلَّمْ

لمْ تنالَ بُلوزَتُها

من مَغَبَّةِ سُرّتِها

والحصارِ

سوى لَمْ

لَمْ يعُد وَشْمٌ

سالماً مِنْ هُناكَ

لِنَفْهَمْ

كُلَّما قُلْت ُنَحْوِي

قالت البِنْتُ :

(يِلِّمْ)

لَمْ تُسَلِّم ْ

لَكِنْ اللهُ سَلّمْ ! )

وهي نصوص يمكننا تسميتها قصيدة، بينما نصوص أخري لم تكتمل فيها أي سمات كاملة لنقوم بتبويبها ضمن جنس أدبي محدد .

ضد التوقع :

      في أي عملية للقراءة تحدث في لحظة ما توقع وإحباط، وهي عملية ذهنية يقوم بها القارئ دون وعي منه، لأن عقلة أعتاد على وجود إتساق أو معادلة مسببات ونتائج في كل مايحيط به، لذلك حين يقرأ جملة فهو يتوقع مايليها بحسب تشابهها مع تتابع سابق مخزّن لديه ،فأن لم يجدها يصاب بإحباط لكنه محبب، لذلك يقوم الكاتب بكسر حلقات التوقع لدى القارئ ببعض الإحباطات تجنباً للملل وجذباً لتركيزه ، لكنها لاتصل للحد الذي يفقد النص منطقيته . ماحدث لدى قراءتي لبعض نصوص المدونه أن عقلي فشل تماماً في خلق أي نمط من الأرتباطات، مما نتج عنه بطء في عملية القراءة نفسها وكأنني أتعامل مع كل مقطع وكأنه الجملة الأولى في النص، لكن -وبطريقة مدهشة فعلاً - لم ينتقص ذلك من جمالية النص ، بل حوله لحقل من الفخاخ اللغوية تحتاج لشحذ كل قدراتك الذهنية لقطعه، ومن دون أن تكون تلك عملية مرهقه . لنأخذ على سبيل المثال هذا النص :

(ولأن العالم  خفاش نائم

لأني عين الثور الوحيدة

أحبك رأساً على عقب !)

أو نقرأ في نص آخر :

(عامليني باخلاقِ رغوه

 عامليني كالمياه المعدنيه

 واجلسي وكانك ِ لم تقتلي

 ظرف مكان !

قبلة ُ القنبله

 نونُها

 والعظامُ بلادُ الجسد

 على اي حال

 فاجلسي وكانك لم تُخلقي

 اجلسي وكانك لم تقتلي

 ظرف خيال !)

بالأضافة لعملية الإحباط أو اللاتوقع التي حدثت أثناء قراءتي فإن شيئاً آخر مختلف حدث أيضاً : وهو أنني كلما أعدت قراءة نص أكتشف أشياء جديدة لم أرها من قبل، كالنظر الى قطعة من السماء في كل مرة ستنتبه لوجود نجمة خافتة بين النجمتين اللتين رأيتهما سابقاً .أوليس هذا غريباً ؟!

ضد التنظيم :

    حين النظر الى لوحة فنية تضج بالألوان، نفكر هل كان الفنان يقصد هذا الناتج النهائي بالضبط، أم أنه وليد الصدفه، بإجابتنا عن هذا التساؤل يكمن الفرق بين الفوضى والفن . الفن -وأعتقد أن أمبرتو إيكو يشاطرني الرأي - هو أن يتمكن الفنان من إعادة إنتاج اللوحة ذاتها كل مرة، أنها فوضى منظمة ومخطط لها . فهذة النصوص لم تكتب لغرض معين، كما أن النص نفسه لايتحدث عن موضوع واحدة ببداية ونهاية، ومعظمها لايخضع لتصنيف شكل أدبي بعينه . لذلك سأسمح لنفسي بتسميتها فوضى ؛ فوضى فنية، تميز وفرادة إستحقها وإنتزعها كما قال في إحدى نصوصه :

 ( هل صدَّقتُم أنَّ هنالك شعراء سوى الجميع؟! إنني أضحكُ عليكم إذن وأتغوّطُ على بلاطِ (إرثِكم الجمعيّ) ، هل تنفقون جنيهاتِكم المِسكينةَ على رواياتِ غونتر غراس و الطيِّب صالِح وكافكا ولاشئ من ثقوبِهم السوداء يعبر إلى خياشيمِكم المغلقة؟ إنني أشمتُ في أشجارِكم المزروعةِ في الهواءِ هذه ! أشمتُ في سخاء فرادِتكم المبذولِ لكلِّ متنطِّع، لا عزاء، إمّا أن كلّكم روائيون أو لا أحد،  إمّا أن كلّكم رحمانينوف وموزارت وزامفير وياني أولا أحد،  هكذا كان الأمرُ وهكذا سيبقى ! إنسَوا أمر الموهبة ، لا أحد يهبُكم شيئاً ، إنّه الإستحقاق وانتزاعُ الفرادةِ من البراثنْ )

 

ختاماً :

   أنا من المشتغلين باللغة؛ حيث إتجهت مؤخراً لكتابة القصص القصيرة . ورغم أنني لم أكتب الكثير لأتمكن من فهم/التحدث عن تجربة الكتابة، لكنني لأُخفي تعجبي ممن يقولون بأنهم يتخلصون من الأفكار بتدوينها على الورق؛ إذ لاأستطيع أن أطلق على عملية كتابتي للقصة /كسوة أفكاري أحرفاً لفظ "التخلص" . فماكان أصواتاً ضعيفة في عقلي أستطيع التحايل عليها بصوت الموسيقى مثلاً صارت الآن حيوات تطالبني - برغم فوضويتها - بإتساق تفرضه كتابة القصص، وتتابع الأحداث، وإحترام القارئ . لذلك بالنسبة لي اللغة قيد، مرآة تواجهني دائماً بعدوي الأكثر شراسه: عقلي . لتنتهي دائماً محاولاتي لتجسيد هذه الأصوات -بجبن لايخلو من عبث طفولي - بقتل أو تحويل الهيئة الجسدية لشخوص القصص . أما مافعله حسام الكتيابي فهو ماأتمنى ذات يوم تعلمه : التحرر من قيود اللغة بأكثر إختراعات الإنسان حدة، تعقيداً، مراوغة، وثورية : اللغة ذاتها.  

 



 :(1)http://ketaiabyc.blogspot.com

  (2): Bertrand H. Bronson, Facts of the Enlightment (Berkeley and Los Angeles:  University of California pressm1968) p.302

 


Comments